فخر الدين الرازي
272
القضاء والقدر
النوع العاشر للقوم الآيات الدالة على أن أفعاله حسنة ، ومنزهة عن التفاوت والعبث والباطل . فإحداها : قوله : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ « 1 » - الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ « 2 » فهاتان الآيتان دالتان على أن كل ما كان صنعا للّه ، فهو حسن . وهذا يقتضي أن ما لا يكون حسنا ، لم يكن صنعا للّه تعالى . فالقبائح والفواحش لما لم تكن موصوفة بالحسن . وجب أن لا تكون فعلا للّه تعالى . وثانيها : قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا . ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا « 3 » فنص على أن من اعتقد أنه تعالى خلق باطلا ، فقد كفر . وثالثها : قوله تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا « 4 » دل هذا الكلام على تنزيه اللّه تعالى عن خلق الباطل ، فوجب أن يقال : إن كل ما كان باطلا ، فإنه لا يكون مخلوقا . ورابعها : قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 5 » . وخامسها : قوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً « 6 » . وسادسها : قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ « 7 » ولا شك أن العقائد الفاسدة ، والمذاهب الباطلة فيها تفاوت شديد . لأن بعضها يكذب بعضا ، وبعضها يبطل بعضا . فلو كانت تلك المذاهب مخلوقة للّه تعالى ، لحصل التفاوت في خلق اللّه تعالى . والجواب : إن كل من تصرف في ملك نفسه ، كان تصرفه عدلا صوابا ومنزها عن الباطل والعبث . وما سوى اللّه فإنه ملكه ، فلم يكن تصرفه على جميع التقديرات إلّا حقا صوابا .
--> ( 1 ) سورة النمل الآية 88 . ( 2 ) سورة السجدة الآية 7 . ( 3 ) سورة ص 27 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 191 . ( 5 ) سورة الدخان الآية 38 و 39 . ( 6 ) سورة المؤمنون الآية 115 . ( 7 ) سورة الملك الآية 3 .